اقتربت ساعة الصفر وقارب حلم سعيد على أن يتحقق .. حلمه الطفولي الذي كبر مع سعيد يوماً بعد يوم .
سعيد الشاب العصامي ذو البشرة السمراء التي اكتسبت لونها من لفحة الشمس ،ذو الملامح الجديّه صاحب الوجنتين الرقيقتين المغبرّتين اللتين لم تعرفا الترف يوماً ما .. صاحب القامةٍ الفارعة التي تنبئ عن قوةٍ ونشاط يبذلها في مزرعتهم التي قضى فيها عشر سنواتٍ يخدمها لتعطيهم من خيراتها ..
نشأ سعيد في قرية منزوية في وادي من وديان حضرموت، تربى في بيت جدّه الذي انتقل اليه حين كان في السادسة من عمرة بعد أن توفى والده في حادث إنقلاب سيارة. أمه أمينه حرصت دائما أن تغذي أبنها سعيد من حنانها .. وأن تعوضه عن حرمانه مرح الطفولة بدفئ عواطفهاوبإشفاقها عليه،،
كبر سعيد وكبرت متطلباته .. وحنان الأم كبر أيضاً وفاض حتى أنها عارضت فكرة سفر سعيد إلى السعودية ليحصل على فرصة عمل هناك .. ويساعد على زيادة دخل الأسرة لطالما قارب سعيد سن الزواج المعتاد في القرية ،،
خصوصاً انه قد وجد من خطفت قلبه وسلبت جنانه،، ابنة عمه فاطمة ..
دائما يصبّر سعيد نفسه حين يشعر بالتعب في المزرعة ،، او خلف طاولته في المدرسه ،، أو حتى حين يضيق ذرعاً بالقرية كلها بأن هذا كله لعيني ( فاطمة ) يستعيد نشاطه وتقوى عزيمته وكله أمل وقناعة بأنها مسألة وقت ومن ثم سيتزوج فاطمة ..
.
.
أم سعيد رفضت فكرة سفر سعيد إلى السعودية حين فاتحها جده أبوأحمد على مائدة غداء عيد الأضحى في المنزل الكبير .. بل أخذت تبكي بصمت حين شرح لها جده كل الظروف .. وأن سفر سعيد لابد منه .. خصوصاً أن سعيد نفسه قد تحمس للفكره .. قال لها الجد أبو احمد أن سفر سعيد لن يدوم للأبد ..
فقط سنتين يجمع فيها مايستطيع من مرتبه القليل ليشتري ( ماطوراً ) للبيت ويجهز اغراض عرسه ..
لم تملك أم سعيد الا ان وافقت وبللت موافقتها بدموعها المنهمره ذلك اليوم .. وهي تقول لجده أنها لا تطيق فراق سعيد ولا بُعد سعيد،، وأن سعيد هو كل الدنيا بالنسبة لها .. شرحت له أنها لا تريد ( ماطوراً ) ولا عرساً كبيراً .. بل تريد أن يضل سعيد بجوارها وأن تكحل عينيها برؤيته كل يوم ..
.
.
الجد : يا أم سعيد .. سعيد ابني انا ايضاً وفراقه يؤلمني، لكن سفر سعيد فيه مصلحة له ولكم .. اما عن بعده راح اقوله يتصل عليكم دائما ليطمئن قلبك .
أم سعيد : ياعم احمد والله كل تلفونات العالم وأرقامها لا تغنيني عن ابني شيء، كيف أنام وهو بعيد عن عيني .. وهو كل السنوات الماضية ينام امام عينيّ.
الجد : توكلي على الله يا بنتي .. لن يحصل الا كل خير بإذن الله .. بقول لسعيد، بأنك موافقه ليجهز نفسه للسفر خلال الاسابيع القادمه ان شاء الله ..
قامت أم سعيد من مقعدها بتثاقل وعيدها هذه السنة لم يكن كعيد باقي الأمهات .. بل عيد هذه السنة كان مليئاً بالفراق والدموع .. اللذين لم يكونا شيئان جديدان على أم سعيد .. فقط تقطعت نياط قلبها على فراق أبو سعيد حين وفاته .. ولم يصبرها الا وجود سعيد لترى فيه الدنيا كلها بأملها وشبابها وزهرها ..
.
.
.
( بعد 22 يوم )
.
.
.
مساءاً .. بعد غروب الشمس .. يتسلل سعيد ببطئ الى خلف منزل عمه .. ليغامر مغامرته الاخيره في القرية قبل ان يغامر مغامرته الكبرى – سفره للسعودية -
.. لم ياخذ التفكير وقتاً طويلاً .. بل أخذ حبات حصى متوسطة دائرية استوحى سعيد هذا الوصف ليرجم شباك غرفة فاطمة الخشبي كما يرجم الحجاج في الجمرات ..
وكأن هذا الشباك هو الشيطان الفاصل بينهما في هذا الوقت العصيب .. كلها بضع حجرات .. على ذلك الشباك الخشبي المتماسك حتى رأى سعيد شخصاً من خلال ينظر بوجل من خلال فتحات النافذة ...
سعيد بهمس : فاطمه .. فاطمه .. هذا انا سعيد ..
تحرك الظل قليلاً ثم اختفى .. ليعود بعد قليل .. ويفتح النافذة فتحة صغيرة ..
فاطمه تهمس من خلف النافذة : سعيد !! .. إيش تسوي هنا !؟
“ جيت علشان أودعك يافاطمة .. شاحنة علي بتتحرك بعد ساعتين .. وبروح معاه لسيئون "
“ طيب يا مجنون ماتخاف أحد يشوفنا هنا !؟ .. بلاش فضايح "
“ لا خلاص .. انا بروح .. بس اذا رحت مابشوفك الا بعد سنتين .. تذكرين يافاطمه .. زمان .. لما كنا في الابتدائية .. لما سألنا المدرس ايش حلمكم لما تكبروا .. قلت انا بسافر للسعودية علشان اشتغل مثل خالي .. وأجيب فلوس "
فاطمة تبتسم من وراء الستار ..
“ وتذكرين .. ايش قلتي لي !!؟ "
فاطمة : “ قلت لك اللي يروح للسعودية مايرجع ثاني ..!! “
سعيد : “ بس أنا برجع يافاطمة .. كلها سنتين ان شاء الله .. وبرجع “
“ بس إنتي قلتي انه اللي يروح للسعودية مايرجع ثاني .. واللي يتركوهم في القرية يتغيرون .. “
فاطمة : “ اذا انت راجع ياسعيد .. أنا ماراح أتغير .. “
“ وعد !؟ "
“ وعد .. "
بدأ السحاب يتكدس .. وبدأ المطر ينهمر قليلاً ..
سعيد : “ راح اتصل على أمي وجدي .. وراح اوصي امي تسلم على بيت عمي .. اذا جاتكم وقالت لكم سعيد يسلم عليكم .. ترى السلام لكي يا فاطمه " ..
فاطمة ترد بخجل .. " طيب "
“ فاطمة ادعي لي .. “
“ والله أدعي لك يا سعيد بكل صلاتي .. الله يوفقك ويرجعك لنا بالسلامه يارب "
“ يالله المطر بدا يشتد وانا بروح الحق اشيل اغراضي واروح لسيئون .. فمان الله " خطى سعيد خطوات قليلة ..
“ سعيد .. لا إله إلا الله "
يرد سعيد بابتسامه " محمداً رسول الله " ..
ذهب سعيد وسط حبات المطر تحت نظر فاطمة .. وهي تحدق بعينيها الجميلتين في سعيد وهو يخطو مبتعداً من نافذتها .. والأغنية تتردد في ذهنها ..
لو تعرفوه .. لو يوم يقابلكو إسئلوه ..
ليه الأيام ياخدوه ..
لو تعرفوه .. لو يوم شفتوه كلموه ..
عن ناس هنا بيحبوه ..
وفكروه .. فاتني وبستناه ..
وكمان بئه عرفوه ..
من فات حبيبوه داب ..
تتردد كلمات الأغنية بصوت فاطمة في ذهن فاطمة .. وسعيد ابتلعه المطر وذهب .. لم تشعر فاطمة بشغف لرؤية سعيد .. كما هو شغفها الآن .. وكأن الدقائق الفائته حلمٌ يصعب تصديقه ..
فكرت أن تصرخ .. ليعود سعيد .. وتراه ثانية .. للتتكلم اكثر معه .. بل قد تقول له أحبك ياسعيد .. ولا تذهب .. لا أريد ذهباً .. ولا أريد مالاً .. فقط أريد قربك والعيش في ظلك .. ولكن ذهب سعيد .. ومن الآن .. لا يبقى الا الصبر وعد الثواني ليعود ..
...
ودّع سعيدٌ أمه وجده وأسرته بعد ان حمّل حقائبه في شاحنة علي .. قبّل رأس أمه .. ورأس جده .. وسأل امه أن ترضى عنه وأن تدعو له بالتوفيق .. فدعت له دعاءا خالط دموعها المنهمرة .. فهدأها سعيد واخبرها بأنه سيتصل بها كل يوم أن طلبت ذلك ..
“ دموعك غاليه .. ياامي
ولا ايش رايك .. بلاش من السفر .. اجلس وأجهز عرسي بتمر من نخل جدي "
ارتسمت على شفاه أم سعيد ابتسامه من كلامه ..
“ الله يوفقك ياولدي .. والله اني راضية عنك .. الله يهديك ويحرسك ويوفقك مثل ماانت راضيني "
“ الله يرضى عليك ياامي ويحفظك ويخليك لي .. وهذي بوسه ثانيه "
قبل سعيد رأس امه مرة أخرى .. وركب سيارة علي الشاحنه المليئة بدمنة المواشي ..
تحركت الشاحنة .. وتحت صوت الشاحنه ورذاذ المطر .. اختفى سعيد مجدداً عن اعين اسرته .. وهو في طريقه الى خارج القرية .. عبرت السيارة قريباً من بيت عمه .. أراد سعيد أن يتوقف مرة ثانية ..
أحس بأن هناك شيئاً لم يقله بعد .. أحس بأن تلك المغامرة لم تكن الأخيرة .. وأنه لابد من مغامرة أخرى .. دار شريط ذكريات سعيد منذ طفولته مع فاطمة ..
تذكر ..
حين صعد النخلة لأول مره .. فقط ليثبت لفاطمة أنه يستطيع ذلك .. ولم ينزل الا وقد قطف لها من التمر مايكفي لإثبات انه كفؤ لحبها .. وهي تراقبه حين فعل ذلك..
تذكّر .. ذكريات كثيرة .. شجعته على ان يطلب من علي التوقف قليلاً ..
بالفعل .. أرد سعيد أن ينزل .. ليقول لفاطمة .. أحبك يافاطمة .. ولو لأول مرة .. أحس بكلمات تدور في صدره يريد ان يقولها .. تكفي لكتابة دواوين من الشعر .. لكن .. حين خرجت الشاحنة على طريق القرية الرئيسي .. انطلق علي بسرعة اكبر .. فتنهد سعيد .. تنهيدةً .. التفت لها علي ..
علي : “ سعيد فيك شي !؟ "
سعيد : “ لالا أبداً .. بس اول مره أسافر .. شي طبيعي بشتاق لأهلي .. “
علي : “ الله يعينك ياسعيد .. لا تنسانا من الحلى هاه .. ويضحك "
سعيد : “ أكيد أكيد ياعلي .. ماراح انسى لك جميلك هذا .. برسل لك اللي تبغى من السعودية "
علي : “ كفو والله "
انطلقت الشاحنة متجهة الى سيئون .. ليقلع من هناك .. إلى مطار الرياض الدولي ..
....
في مطار الرياض الدولي .. في اليوم التالي ..
استقبل سعيد في المطار .. شابان من ابناء القرية .. صادق وحسن .. اكبر من سعيد ببضع سنوات .. لينقلوه الى ( العزبة ) المقر الأول للمغتربين الجدد ليلتقي فيها بمجموعة من المغتربين القدامى .. يكلمهم ويكلمونه ينصحونه يأخذ من خبراتهم .. ثم ينطلق إلى السوق ليترزق الله ويبحث عن مستقبله المفقود ..
.. وصل سعيد إلى العزبة .. استقبلوه بحراره وحيوه .. وسألوه أولا عن ( الكتب ) اي الرسائل فأعطى كل واحدٍ منهم ما وصى به اقاربه من القرية ( الرسائل او الكتب و العسل والحنا .. الخ ) فلم يبقى بجانبه أحد .. ليأخذ سعيد انطباعاً عن هذه الحياة الجديده هنا والغريبة .. الناس لا يجلسون الا اذا كان مع الشخص ( رسائل !! ) ثم بادره أحدهم في المجلس بسؤاله عن الأحوال والغلاء .. ويسأله آخر عن سعر القات .. هل رخص ! .. اما الثالث فساله عن الفيضان !!؟
الفيضان ..
جاوب سعيد على الجميع .. ماعدى سؤال الأخير .. أي فيضان !!؟
أخبروه بخبر الفيضان .. البارحه .. تناقلته وسائل الإعلام .. قبيل الفجر .. جاء الفيضان من الوديان الداخليه .. ليكبر حين تلتقي به السيول الصغيره .. وليتضاعف حجمه .. كلما خرج من وادٍ ودخل في الآخر .. فيضان كبير .. إلتهم منازل كثيرة ..
سعيد بصوت حاد .. أي فيضان !؟ أنا لم أسمع به ..
إتصلو بالقرية مباشرة .. الهواتف لا ترد ..
أتصلو بمنزل الشيخ .. ولكن مامن مجيب ..
اتصلو بمركزٍ صحيٍ في القرية المجاورة في حضرموت .. رد عليهم الاستقبال ..
عرفوه بأنفسهم .. عرفهم .. حياهم وسألهم عن الحال ..
أخبروه .. ماذا عن الفيضان !؟
صادق هو من كان يتكلم .. مع المركز الصحي ..
والكل منصت ..
صادق : “ طيب من المفقودين ؟ .. أيوه .. أيوه .. لا حول ولا قوة الا بالله .. لاحول ولا قوة الا بالله .. إنا لله وإنا إليه راجعون "
بعد أن سأل عن أناس كثير .. جائته اسماء أكثر ..
أغلق صادق الهاتف ..
أخبرهم .. بأسماء كثيرة .. أناس تهدمت فوقهم منازلهم وهم نائمون .. وأناس مفقودين .. وكثير من اهل القرية والقرى المجاورة سالمين ولكن عالقين ..
صادق : “ ياسعيد .. “
سعيد : “ .. “
“ الموت علينا حق .. واصبر والله مع الصابرين "
سعيد .. ابتلع ريقه .. “ ايش فيه "
" قالي المركز الصحي أن بيت جدك وعمك كان من أول البيوت المنهاره “..
سعيد .. لم يدرِ ما يقول .. نعم ؟؟ إيش !؟ .. هل هذا حلمٌ أم واقع .. ارتسمت على وجهه ابتسامه .. ملئها الصدمه .. صادق ماذا قلت ؟؟
جدي ، أمي !! فاطمة !؟ عمي وأهلي ..
ماتو ؟ .. فقدتهم !؟ فاطمة ؟؟ أمي ؟؟ ماتت ؟؟ لن اراهم بعد اليوم ؟؟
كيف ؟ .. بكل صمت ..
خرج سعيد من ( العزبه ) وقد تلقى أول درسٍ من المغتربين ..
ليلتفتوا من كان بالمجلس ليبحثو عنه .. ولكن لم يدرِ أحد إلى أين سار سعيد ..
No comments:
Post a Comment