Sunday, October 26, 2008

الفيضان


اقتربت ساعة الصفر وقارب حلم سعيد على أن يتحقق .. حلمه الطفولي الذي كبر مع سعيد يوماً بعد يوم .
سعيد الشاب العصامي ذو البشرة السمراء التي اكتسبت لونها من لفحة الشمس ،ذو الملامح الجديّه صاحب الوجنتين الرقيقتين المغبرّتين اللتين لم تعرفا الترف يوماً ما .. صاحب القامةٍ الفارعة التي تنبئ عن قوةٍ ونشاط يبذلها في مزرعتهم التي قضى فيها عشر سنواتٍ يخدمها لتعطيهم من خيراتها ..
نشأ سعيد في قرية منزوية في وادي من وديان حضرموت، تربى في بيت جدّه الذي انتقل اليه حين كان في السادسة من عمرة بعد أن توفى والده في حادث إنقلاب سيارة. أمه أمينه حرصت دائما أن تغذي أبنها سعيد من حنانها .. وأن تعوضه عن حرمانه مرح الطفولة بدفئ عواطفهاوبإشفاقها عليه،،
كبر سعيد وكبرت متطلباته .. وحنان الأم كبر أيضاً وفاض حتى أنها عارضت فكرة سفر سعيد إلى السعودية ليحصل على فرصة عمل هناك .. ويساعد على زيادة دخل الأسرة لطالما قارب سعيد سن الزواج المعتاد في القرية ،،
خصوصاً انه قد وجد من خطفت قلبه وسلبت جنانه،، ابنة عمه فاطمة ..
دائما يصبّر سعيد نفسه حين يشعر بالتعب في المزرعة ،، او خلف طاولته في المدرسه ،، أو حتى حين يضيق ذرعاً بالقرية كلها بأن هذا كله لعيني ( فاطمة ) يستعيد نشاطه وتقوى عزيمته وكله أمل وقناعة بأنها مسألة وقت ومن ثم سيتزوج فاطمة ..
.
.

أم سعيد رفضت فكرة سفر سعيد إلى السعودية حين فاتحها جده أبوأحمد على مائدة غداء عيد الأضحى في المنزل الكبير .. بل أخذت تبكي بصمت حين شرح لها جده كل الظروف .. وأن سفر سعيد لابد منه .. خصوصاً أن سعيد نفسه قد تحمس للفكره .. قال لها الجد أبو احمد أن سفر سعيد لن يدوم للأبد ..
فقط سنتين يجمع فيها مايستطيع من مرتبه القليل ليشتري ( ماطوراً ) للبيت ويجهز اغراض عرسه ..
لم تملك أم سعيد الا ان وافقت وبللت موافقتها بدموعها المنهمره ذلك اليوم .. وهي تقول لجده أنها لا تطيق فراق سعيد ولا بُعد سعيد،، وأن سعيد هو كل الدنيا بالنسبة لها .. شرحت له أنها لا تريد ( ماطوراً ) ولا عرساً كبيراً .. بل تريد أن يضل سعيد بجوارها وأن تكحل عينيها برؤيته كل يوم ..
.
.
الجد : يا أم سعيد .. سعيد ابني انا ايضاً وفراقه يؤلمني، لكن سفر سعيد فيه مصلحة له ولكم .. اما عن بعده راح اقوله يتصل عليكم دائما ليطمئن قلبك .
أم سعيد : ياعم احمد والله كل تلفونات العالم وأرقامها لا تغنيني عن ابني شيء، كيف أنام وهو بعيد عن عيني .. وهو كل السنوات الماضية ينام امام عينيّ.
الجد : توكلي على الله يا بنتي .. لن يحصل الا كل خير بإذن الله .. بقول لسعيد، بأنك موافقه ليجهز نفسه للسفر خلال الاسابيع القادمه ان شاء الله ..
قامت أم سعيد من مقعدها بتثاقل وعيدها هذه السنة لم يكن كعيد باقي الأمهات .. بل عيد هذه السنة كان مليئاً بالفراق والدموع .. اللذين لم يكونا شيئان جديدان على أم سعيد .. فقط تقطعت نياط قلبها على فراق أبو سعيد حين وفاته .. ولم يصبرها الا وجود سعيد لترى فيه الدنيا كلها بأملها وشبابها وزهرها ..
.
.
.
( بعد 22 يوم )
.
.
.
مساءاً .. بعد غروب الشمس .. يتسلل سعيد ببطئ الى خلف منزل عمه .. ليغامر مغامرته الاخيره في القرية قبل ان يغامر مغامرته الكبرى – سفره للسعودية -
.. لم ياخذ التفكير وقتاً طويلاً .. بل أخذ حبات حصى متوسطة دائرية استوحى سعيد هذا الوصف ليرجم شباك غرفة فاطمة الخشبي كما يرجم الحجاج في الجمرات ..
وكأن هذا الشباك هو الشيطان الفاصل بينهما في هذا الوقت العصيب .. كلها بضع حجرات .. على ذلك الشباك الخشبي المتماسك حتى رأى سعيد شخصاً من خلال ينظر بوجل من خلال فتحات النافذة ...
سعيد بهمس : فاطمه .. فاطمه .. هذا انا سعيد ..
تحرك الظل قليلاً ثم اختفى .. ليعود بعد قليل .. ويفتح النافذة فتحة صغيرة ..
فاطمه تهمس من خلف النافذة : سعيد !! .. إيش تسوي هنا !؟
“ جيت علشان أودعك يافاطمة .. شاحنة علي بتتحرك بعد ساعتين .. وبروح معاه لسيئون "
“ طيب يا مجنون ماتخاف أحد يشوفنا هنا !؟ .. بلاش فضايح "
“ لا خلاص .. انا بروح .. بس اذا رحت مابشوفك الا بعد سنتين .. تذكرين يافاطمه .. زمان .. لما كنا في الابتدائية .. لما سألنا المدرس ايش حلمكم لما تكبروا .. قلت انا بسافر للسعودية علشان اشتغل مثل خالي .. وأجيب فلوس "
فاطمة تبتسم من وراء الستار ..
“ وتذكرين .. ايش قلتي لي !!؟ "
فاطمة : “ قلت لك اللي يروح للسعودية مايرجع ثاني ..!! “
سعيد : “ بس أنا برجع يافاطمة .. كلها سنتين ان شاء الله .. وبرجع “
“ بس إنتي قلتي انه اللي يروح للسعودية مايرجع ثاني .. واللي يتركوهم في القرية يتغيرون .. “
فاطمة : “ اذا انت راجع ياسعيد .. أنا ماراح أتغير .. “
“ وعد !؟ "
“ وعد .. "
بدأ السحاب يتكدس .. وبدأ المطر ينهمر قليلاً ..
سعيد : “ راح اتصل على أمي وجدي .. وراح اوصي امي تسلم على بيت عمي .. اذا جاتكم وقالت لكم سعيد يسلم عليكم .. ترى السلام لكي يا فاطمه " ..
فاطمة ترد بخجل .. " طيب "
“ فاطمة ادعي لي .. “
“ والله أدعي لك يا سعيد بكل صلاتي .. الله يوفقك ويرجعك لنا بالسلامه يارب "
“ يالله المطر بدا يشتد وانا بروح الحق اشيل اغراضي واروح لسيئون .. فمان الله " خطى سعيد خطوات قليلة ..
“ سعيد .. لا إله إلا الله "
يرد سعيد بابتسامه " محمداً رسول الله " ..
ذهب سعيد وسط حبات المطر تحت نظر فاطمة .. وهي تحدق بعينيها الجميلتين في سعيد وهو يخطو مبتعداً من نافذتها .. والأغنية تتردد في ذهنها ..
لو تعرفوه .. لو يوم يقابلكو إسئلوه ..
ليه الأيام ياخدوه ..
لو تعرفوه .. لو يوم شفتوه كلموه ..
عن ناس هنا بيحبوه ..
وفكروه .. فاتني وبستناه ..
وكمان بئه عرفوه ..
من فات حبيبوه داب ..
تتردد كلمات الأغنية بصوت فاطمة في ذهن فاطمة .. وسعيد ابتلعه المطر وذهب .. لم تشعر فاطمة بشغف لرؤية سعيد .. كما هو شغفها الآن .. وكأن الدقائق الفائته حلمٌ يصعب تصديقه ..
فكرت أن تصرخ .. ليعود سعيد .. وتراه ثانية .. للتتكلم اكثر معه .. بل قد تقول له أحبك ياسعيد .. ولا تذهب .. لا أريد ذهباً .. ولا أريد مالاً .. فقط أريد قربك والعيش في ظلك .. ولكن ذهب سعيد .. ومن الآن .. لا يبقى الا الصبر وعد الثواني ليعود ..
...
ودّع سعيدٌ أمه وجده وأسرته بعد ان حمّل حقائبه في شاحنة علي .. قبّل رأس أمه .. ورأس جده .. وسأل امه أن ترضى عنه وأن تدعو له بالتوفيق .. فدعت له دعاءا خالط دموعها المنهمرة .. فهدأها سعيد واخبرها بأنه سيتصل بها كل يوم أن طلبت ذلك ..
“ دموعك غاليه .. ياامي
ولا ايش رايك .. بلاش من السفر .. اجلس وأجهز عرسي بتمر من نخل جدي "
ارتسمت على شفاه أم سعيد ابتسامه من كلامه ..
“ الله يوفقك ياولدي .. والله اني راضية عنك .. الله يهديك ويحرسك ويوفقك مثل ماانت راضيني "
“ الله يرضى عليك ياامي ويحفظك ويخليك لي .. وهذي بوسه ثانيه "
قبل سعيد رأس امه مرة أخرى .. وركب سيارة علي الشاحنه المليئة بدمنة المواشي ..
تحركت الشاحنة .. وتحت صوت الشاحنه ورذاذ المطر .. اختفى سعيد مجدداً عن اعين اسرته .. وهو في طريقه الى خارج القرية .. عبرت السيارة قريباً من بيت عمه .. أراد سعيد أن يتوقف مرة ثانية ..
أحس بأن هناك شيئاً لم يقله بعد .. أحس بأن تلك المغامرة لم تكن الأخيرة .. وأنه لابد من مغامرة أخرى .. دار شريط ذكريات سعيد منذ طفولته مع فاطمة ..
تذكر ..
حين صعد النخلة لأول مره .. فقط ليثبت لفاطمة أنه يستطيع ذلك .. ولم ينزل الا وقد قطف لها من التمر مايكفي لإثبات انه كفؤ لحبها .. وهي تراقبه حين فعل ذلك..
تذكّر .. ذكريات كثيرة .. شجعته على ان يطلب من علي التوقف قليلاً ..
بالفعل .. أرد سعيد أن ينزل .. ليقول لفاطمة .. أحبك يافاطمة .. ولو لأول مرة .. أحس بكلمات تدور في صدره يريد ان يقولها .. تكفي لكتابة دواوين من الشعر .. لكن .. حين خرجت الشاحنة على طريق القرية الرئيسي .. انطلق علي بسرعة اكبر .. فتنهد سعيد .. تنهيدةً .. التفت لها علي ..
علي : “ سعيد فيك شي !؟ "
سعيد : “ لالا أبداً .. بس اول مره أسافر .. شي طبيعي بشتاق لأهلي .. “
علي : “ الله يعينك ياسعيد .. لا تنسانا من الحلى هاه .. ويضحك "
سعيد : “ أكيد أكيد ياعلي .. ماراح انسى لك جميلك هذا .. برسل لك اللي تبغى من السعودية "
علي : “ كفو والله "
انطلقت الشاحنة متجهة الى سيئون .. ليقلع من هناك .. إلى مطار الرياض الدولي ..
....
في مطار الرياض الدولي .. في اليوم التالي ..
استقبل سعيد في المطار .. شابان من ابناء القرية .. صادق وحسن .. اكبر من سعيد ببضع سنوات .. لينقلوه الى ( العزبة ) المقر الأول للمغتربين الجدد ليلتقي فيها بمجموعة من المغتربين القدامى .. يكلمهم ويكلمونه ينصحونه يأخذ من خبراتهم .. ثم ينطلق إلى السوق ليترزق الله ويبحث عن مستقبله المفقود ..
.. وصل سعيد إلى العزبة .. استقبلوه بحراره وحيوه .. وسألوه أولا عن ( الكتب ) اي الرسائل فأعطى كل واحدٍ منهم ما وصى به اقاربه من القرية ( الرسائل او الكتب و العسل والحنا .. الخ ) فلم يبقى بجانبه أحد .. ليأخذ سعيد انطباعاً عن هذه الحياة الجديده هنا والغريبة .. الناس لا يجلسون الا اذا كان مع الشخص ( رسائل !! ) ثم بادره أحدهم في المجلس بسؤاله عن الأحوال والغلاء .. ويسأله آخر عن سعر القات .. هل رخص ! .. اما الثالث فساله عن الفيضان !!؟
الفيضان ..
جاوب سعيد على الجميع .. ماعدى سؤال الأخير .. أي فيضان !!؟
أخبروه بخبر الفيضان .. البارحه .. تناقلته وسائل الإعلام .. قبيل الفجر .. جاء الفيضان من الوديان الداخليه .. ليكبر حين تلتقي به السيول الصغيره .. وليتضاعف حجمه .. كلما خرج من وادٍ ودخل في الآخر .. فيضان كبير .. إلتهم منازل كثيرة ..
سعيد بصوت حاد .. أي فيضان !؟ أنا لم أسمع به ..
إتصلو بالقرية مباشرة .. الهواتف لا ترد ..
أتصلو بمنزل الشيخ .. ولكن مامن مجيب ..
اتصلو بمركزٍ صحيٍ في القرية المجاورة في حضرموت .. رد عليهم الاستقبال ..
عرفوه بأنفسهم .. عرفهم .. حياهم وسألهم عن الحال ..
أخبروه .. ماذا عن الفيضان !؟
صادق هو من كان يتكلم .. مع المركز الصحي ..
والكل منصت ..
صادق : “ طيب من المفقودين ؟ .. أيوه .. أيوه .. لا حول ولا قوة الا بالله .. لاحول ولا قوة الا بالله .. إنا لله وإنا إليه راجعون "
بعد أن سأل عن أناس كثير .. جائته اسماء أكثر ..
أغلق صادق الهاتف ..
أخبرهم .. بأسماء كثيرة .. أناس تهدمت فوقهم منازلهم وهم نائمون .. وأناس مفقودين .. وكثير من اهل القرية والقرى المجاورة سالمين ولكن عالقين ..
صادق : “ ياسعيد .. “
سعيد : “ .. “
“ الموت علينا حق .. واصبر والله مع الصابرين "
سعيد .. ابتلع ريقه .. “ ايش فيه "
" قالي المركز الصحي أن بيت جدك وعمك كان من أول البيوت المنهاره “..
سعيد .. لم يدرِ ما يقول .. نعم ؟؟ إيش !؟ .. هل هذا حلمٌ أم واقع .. ارتسمت على وجهه ابتسامه .. ملئها الصدمه .. صادق ماذا قلت ؟؟
جدي ، أمي !! فاطمة !؟ عمي وأهلي ..
ماتو ؟ .. فقدتهم !؟ فاطمة ؟؟ أمي ؟؟ ماتت ؟؟ لن اراهم بعد اليوم ؟؟
كيف ؟ .. بكل صمت ..
خرج سعيد من ( العزبه ) وقد تلقى أول درسٍ من المغتربين ..
ليلتفتوا من كان بالمجلس ليبحثو عنه .. ولكن لم يدرِ أحد إلى أين سار سعيد ..

Saturday, October 11, 2008

موقف محرج .. ودرس جديد !!

المهم في الموضوع .. هكذا بلا مقدمات، أنّ أخيكم محمد قد أتعبه الأرق .. لم أنم لساعات طويلة .. منذ البارحة ولم أتعب أو أُرهق ( قولو ماشاء الله :) ) وهذا شيء غريب .. لكن الجميل والطريف أني جربت شيئاً جديداً مما ينسب لكثير من رواد السهر كالعشاق و ( الحبيبة - بمطّ الياء :) - يعني أهل الغرام ) وأيضاً شيئا جديداً مما ينسب لطلاب العلم الحقيقين اصحاب معلقة ( من طلب العلا سهر الليالي ) واللذين لم أشابههم حتى هذه اللحظة إلا في سهر الليالي.
أريد في هذه اللحظة أن أدون شيء ما قد عزمت على تدوينه لحظة حدوث هذا الأمر لي ، فقلت محدثاً نفسي وقتها يجب أن أكتب عن هذه اللحظة .
.
.
قبل يومين عزمت على طباعة كتاب إليكتروني قد بحثت عنه ليساعدني على بناء الرواية القادمة بإذن الله والكتاب للأديب جيمس فري فقد عزمت على طباعته لتعذر وجوده هنا في ماليزيا ، حتى أن النسخة الألكترونية التي معي مأخوذة من نسخة الكتاب المطبوعة عام 1987 فهي قديمة نوعاً ما . المهم عزمت على أن أنسخ الكتاب في ( البن درايف ) وأذهب به لـ ( اللاب ) لأطبع صفحاته على ورق لكي يصبح كتاباً حقيقياً حي يرزق يتنفس ويلمس اطراف أصابعي مثله مثل أي كتاب آخر. في اليوم التالي إتجهت للمعمل الأول في الدور الأول في مكانه المعروف وفي نيتي أن أطبع هذا الكتاب الذي إنتظرت ولادته كثيراً وكلي شوق أن أرى ملامحه .. أهي كما صورتها في مخيلتي أم له صورة مختلفة عنها، وجدت أحد الأجهزة غير شاغر فأخذت المكان وأخرجت ( البن درايف ) ثم استخرجت كتابي المنتظر فقلبت صفحاته .. ونبضات قلبي تزداد كلما تذكرت أنها ثواني فقط وسيكون بين يدي أقلبه كيفما أشاء .. والحقيقة أني حاولت أن احذف بعض الصفحات الغير مهمة والمليئة بالعنواين فقط من غير المحتوى فما استطعت لذلك سبيلا .. لم أحاول كثيراً لأني لم أطيق أن تزيد تلك الثواني الفاصلة بيني وبين كتابي فقررت أن اطبع الكتاب برمته وبغلافه وبارقام صفحاته أيضاً لأختصر هذه الثواني البغيضة .. وجاءت اللحظة الحاسمة لأضع إصبع السبابة على ( الماوس ) لأضغط على كلمة ( برينت ) أعلى الصفحة ..
.
.
تعرفون المعمل الأول ذو القاعات وتعرفون أن الطابعة هناك هي أبطأ ماتكون وأن المكان هناك مزدحم جداً ليطبع الطلاب أوراقهم وأبحاثهم .. وماهي هذه الأبحاث .. الغث منها والسمين لا يتجاوز عدد صفحاته العشرين .. ومع ذلك تجد أن الطابعة تمشي ( الهوينا ) وتتبختر كعجوزٍ قد أصابها داء ( المراهقة المتأخرة ) .. أما أنا وكتابي ذو المائتين صفحة !! فقد أصبحنا ضحية هذه المراهقة المتأخرة .. أي نعم 200 صفحة وتقرأ مائتان .. هي كمية الأوراق المستهلكة لطباعة كتابي الحبيب .. ولم أحسب حساباً لا للمكان ولا للزمان ..
.
.
ذهبت فرحاً لأستقبل المولود ولأرى أول صفحاته .. إستقبلتها بكل حميمية بعد أن أخرجتها الطابعة بشكلٍ يشبه العملية القيصرية وبإيحاء يقول ( خذ لا بارك الله في كتابك السمين ) .. فأخذت الورقة على مضض وسرحت بخيالي أحلم بكتابي الجميل ....
.
.
ولم أفق إلا على تذمر الطلاب !! يا للهول !! نظرت على يميني فإذا بالطلاب ينفخ بعضهم والبعض يتنفس الشهيق والزفير من فمه إيحاءا بالحَنَق أما عن يساري فقد وجت طلابا يقلبون الأوراق الخارجة من فم الطابعة ويرطنون بالصينية الغريبة كلماتٍ فهمت من لحنها أنها إماً سبّاً أو شتماً لراعي هذه الاوراق الكثيرة .. أخذت أقلب في الأوراق بكل تذمر مستنكراً هذا .. كحالهم .. غير آبهٍ .. حتى تقيد هذة الفعلة ضد مجهول :) .. قلبت في الأوراق الخارجة وهي تزداد ورقةً تلو الأخرى .. إستبشرت خيراً فقلت هانت وفرجت .. هذه الأوراق الكثيرة .. لابد أن الصفحة رقم 200 قد قربت على الخروج .. مددت يدي لأرى فإذا هي الصفحة الـ 30 !! ...
.
.
ههههههه .. لا أريد أن استرسل في الحديث أكثر لأصف لكم ماحدث حينها .. وكيف كنت أحاول تلافي ذلك الكره وذلك الغضب من أعين الطلاب حينها لتأخيرهم على حساب كتابي .. لكن أريد أن أكتب عن شيء قد وعدت نفسي وأنا واقف أمام الطابعة حينها وفي ذلك الموقف المحرج أن أكتب عنه ..
.
.
قد أخطأت حين قررت أن أطبع كتابي الضخم في ذلك المكان المزدحم بالطلاب .. وأخطأت ثانيةً حين لم أهتم بتوقيت الطباعة .. وقد طبعت الكتاب في وقت يقارب وقت الذروة لإستخدام الطابعة .. فنتج عن ذلك خلل كبير وتاخير لكثير من الطلاب وأجزم أن الكثير منهم لم يطبع سوى بضع ورقات .. ومع ذلك إضطر أن ينتظر لمدة قاربت 10 - 15 دقيقة .. وكان من الأولى أن أهتم بتلك النقاط ( المكان والزمان )، وأن أهتم بخصائص البيئة المحيطة قبل الإقدام على أي فعل كأن أختار الوقت والمكان المناسب لطباعة الكتاب ولاسيما أن الكتاب ليس بالضروري ليطبع في ذلك الوقت بالتحديد حتى لا ينتج تأخير للطلاب .
.
.
قد وعدت نفسي بأن أكتب هذه الخاطرة لأحاول أن أصحح ما بدر مني ذلك الوقت، وإن لم يكن بالغلط الكبير ..
لكن دائما .. من لا يخطئ لا يتعلم ..
.
.
تحياتي لكم ..

Sunday, October 5, 2008

لماذا نعيش وسط هذه التناقضات ؟

هذه التدوينة .. هي لنقد واقعٍ مرير لصفةٍ من صفاتنا السيئة والتي اكتسبناها وللإسف لا إرادياً من خلال وجودنا في مجتمعٍ منغلق على نفسه ،، سواءا في اليمن أو في السعودية أو في اي بلدٍ كان .. و إن كانت المشكلة الأساسية هي ليست في الأماكن بحد ذاتها بقدر ماهي في الأشخاص أنفسهم، تعودنا في كثيرٍ من بلادنا على النزعة الذكورية ، وأقصد بالنزعة الذكورية هي أن ننظر من منظور واحدٍ فقط لكل الأحداث التي تدور حولنا والتي نصنفها حسب جنس الطرف الآخر إما ذكراً أو أنثى.
.
.
كثيرٌ منا لا يرى أنه أمر سيء إذا وُجد في مكانٍ غير محترم، بل وقد يلبي حضوراً لحلفةٍ أو قد يذهب للتنهزه في أماكن يستحي أن يصوره أحدٌ فيها .. وهذه المشكلة .. المشكلة أن نعيش في كومةٍ من التناقضات ..
.
.
لماذا يذهب هذا الشخص في مكان لا يظن أنه محترم .. ثم إذا رأى فتاةً هناك تلفظ عليها بأقبح الأوصاف ونعتها بما لا يليق بها لأنها تواجد مثله في نفس المكان .. ولا ينظر لنفسه .. لماذا هذه النظره الذكوريه بقبول كل ما يصنعه الرجل وإعتباره صواباً ثم يتم التلافي عن أخطاءه والتغاضي عنها ولا يتم التغاضي عن أخطاء الفتاة ؟ ..
.
.
قد يفعل هذا الرجل أفعالاً ويستمتع بها وهو غير راضٍ عنها .. ثم إذا رأى فتاةً تفعلها .. إحمرّ وجهه .. وتكلم عليها .. وتلفظ عليها بالقول القبيح .. وإن أحداً تكلم عليه هو غضب !! لماذا ؟؟
.
.
لا أريد أن يفهم من كلامي أن يسكت الرجل ولا يتكلم .. بل أريد إن كان يريد الخير وإن كان يظن أن المكان او الفعل اللذي يفعله لا يليق أريد منه أن يتوقف فوراً عن هذا الفعل .. وأن ينصح بالقول اللين بلا غيبةٍ ولا نميمه .. وأن ينظر فعلاً بعين العقل ولا يكيل بمكيالين ..
.
.
تعودنا في مجتمعاتنا على هذه النظرة الذكورية ومن مجتمعاتنا أخذنا هذا الموروث الذي يجب أن نبدله بما نعتقد أنه أفضل منه ،، وأن لا نمارس إعتقادات إجتماعية باليه لا تصلح أبداً لزماننا ولا مكاننا هذا ..
.
.
أحببت أن أنفس عن بعض التساؤلات وكتابتها لكم .. لعلها تلقى أجوبةً عندكم ..

Friday, August 29, 2008

الطابق الثالث عشر ..

أغلق باب المصعد الكهربائي في مبنى ناطحة السحاب تلك حين كنت صاعداً لزيارة صديقٍ لي قد عزمني على كأسِ عصيرٍ على شرفةِ مكتبه المطلة على شوارع الرياض الناعسة ليلاً .. ولنستشق عبق زهرة ملكة الليل التي يملأ عطرها الأجواء من أعلى حين تتدلى من شرفات مكاتب الناطحه..
.
أغلق باب المصعد صاعداً لأعلى كنا داخل المصعد ثلاثة .. أنا وعامل المصعد وثالث لم أعرفه ،،
وقد غاصت عينيَّ في وجنتيه تمعناً ومحاولاً بلا جدوى إستدعاء ملفات أرشيفي الذهني لأعرف من هذا الرجل .. ملامحه ليست غريبة .. لا يهم .. صرفت النظر بعيداً.. وأخذت أنظر لأعلى وأتأمل انوار المصعد ..
وأنا أشيح برأسي هناك .. لم تتركني التساؤلات .. وأخذت أرمق الرجل بنظرةٍ تلو الأخرى .. أين رأيت هذا الوجه ؟؟ ياترى هل أعرفه !؟ أم أنها حالة من حالات ( يخلق من الشبه أربعين !! ) لابد أنها حالة من حالات يخلق من الشبه أربعين وهذا الثاني .. وتبقى ثمان وثلاثون وجهاً لأكتشف .. أتمنى أن يكون في المبنى هذا العدد من المصاعد .. لآراهم جميعهم الليلة .. هذا الثاني في حين كان الأول الرجل الذي في ذاكرتي ولم اتذكره !! يا ترى هل أعرفه فعلاً .. لا أريد أن
أحرج نفسي مع هذا الرجل ماأصعب لحظات الإحراج خصوصاً في بطن هذا المصعد ..
.
بل أعرفه نعم أعرفه .. ها !! نعم أعرفه .. وجهه ليس بغريب .. وجهه يذكرني بشقاءٍ قديم وأشياء أخرى ..
لكن من هو ياترى .. سعد !؟ لالا سعد الشقي النحيل لايمكن أن يكون قد إنتفخت وجنتيه هكذا بفعل الشاورما .. خالد ؟ أحمد ؟ .. لا لا .. علي !؟ علي !! علي !! هو هو علي !! يا إلاهي علي !! .. وضعت أصابعي على فمي خفت أن يتسرب حديث نفسي أو صراخ نفسي ليسمع الرجلان ما أحدث نفسي به ..
علي !! يا إلاهي .. نظرت إليه نظرتي الأولى بعد أن تأكدت وتجاوبت كل حواسي الخمس وصادق إرشيف ذكرياتي على أن هذا الرجل هو علي !!
..
علي .. صديق طفولتي .. ماذا فعلت الحياة بك !؟ كيف حالك يا علي ؟؟ يا إلاهي .. ما أصعب أن أعرفك الآن وقد نثرت عنك غبار الشقاء القديم .. وقد لبست لباس العافيه .. بصراحه .. ( سمنت يا ولد ).. ماشاء الله ها أنت ذا شخصٌ ذا هيبة ومكانة .. أليس كذلك .. عرفت ذلك من طريقة لبسك للشماغ .. آه .. شماغ البسام .. علي لابد أن أحلامك تحققت يا علي .. علي أريد معرفة كل شي عنك
.. كيف حالك ؟؟ كيف تصرفت مع تقلبات الحياة !؟ كيف تصرفت الحياة معك ؟ .. ,, أخذت أحدث نفسي كثيراً وأنا أستشعر ملامح صديقي علي بعينيّ غير مصدقاً أن هذا هو صديقي علي..
.
.
يتبع إن شاء الله

Thursday, August 14, 2008

من حديث النفس !

من أنت ؟ يا من إذا نادوك .. أجيب النداء أنا .. أو من أنا ؟ حين غلطتي تحاسب أنت .. أو أنا.. وحين اكافئ .. أكافئ أنا أو نفسي .. من أنا ومن نفسي !؟ هل ( نحن ) واحد .. إذا كان الجواب نعم فلم قلت ( نحن ) ونحن تفيد عدم الفردية .. وإذا كان الجواب بلا .. فمن أنا ومن نفسي ؟ .. ومن فينا المفكر .. ومن فينا المنفذ ؟ ومن فينا محمد ؟ ومن فينا نفسه ؟ .. لمن أتكلم حين أتكلم ( لنفسي ) وحين ترد نفسي علي لمن ترد ؟ .. أسئلة تدور بخلدي ؟ أحدث بها ( نفسي ) . لم يقولون يحدّث نفسه .. تهكماً بهِ.. لشخصٍ يحدثُ نفسه .. إذا كان هو ونفسه واحد ؟ هل للشخص شخصية منفصلة عن شخصية نفسه ؟ هل لكلٍ عقلٍ باطن ؟ في حين أن العقل الظاهر عقلٌ واحد وقد يتشاركان فيه !؟.
من أنا ومن نفسي ؟ في حين أن جاري يكسر زجاجةَ جاري الآخر هل أحاسب أنا ؟ بالطبع لا، فلم يحاسب شخصٌ على تصرفات تصدر من نفسه المنفصلة عنه ؟ .. من فينا المحب ؟ والعاشق ؟ والشاعر ؟ والكاتب ؟ من فينا الطالب ؟ من اللذي يجوع ؟ ويعطش ؟ ويحن للقاء الأحبه ؟ .. حين يخاطبنا الآخرون .. هل يخاطبوننا أم يخاطبون أنفسنا ؟ ومن الذي يجاوبهم ؟
.
.
لا أريد التفكير أكثر !!

Friday, July 25, 2008

إهداء لكل إيجابي

إلى من يطمح بالتغيير يوماً ما .. إلى من يحلمُ بتغيير من حوله ..



قد تبدأ بعزيمةٍ جبّارة وقد كرّست كل معرفتك وخبراتك لتغير من سلوك شخصٍ ما أو مجموعة لا ترتضيه .. قد يكون هذا الشخص أخ أو صديق أو حتى حبيب.. ثم لا تلبث عزيمتك إلا أن تخور وتنقص بعد أن تصطدم بعناد ذلك الشخص أو بالظروف المحيطة فيتقلص حماسك وتضعف عزيمتك وتتقبل الإنهزام على مضض. أقول لك لا بملئ فيّ لا تنهزم .. فطريق التغيير يا صديقي صعبٌ فتجلّد ،قد داسه قبلك أقوامٌ كسلوا فلم يصلوا وجاسهُ آخرون صبروا فبلغوا ذروته بالمثابرة والحكمة والروية والرؤية الثاقبة .. إن كنت قد حملت شرف حمل تلك الراية خذها بقوة .. يازكريا خذ الكتاب بقوة .. لا بقوة الساعد ولا بقوة الرصاص ولكن بقوة التفكير والعلم والحكمة .. تلك القوة التي ما إن تكتشفها حتى تغير ما بدا لك .. فيبدو الكون بين يديك كلوحة وتبدو أنت كرسامٍ ماهر.
لا تتسرع في قرارك .. ولا تكن العاطفة مصدر قراراتك .. بل قرر بعقلك ثم عطّر تلك القرارات بروحٍ الإنسانية وبنسيم العاطفة
إعلم أن هناك العشرات غيرك .. قد حملوا هذه الراية زوراً وبهتاناً .. وآخرون حملوها إسماً وتوريثاً .. وبعضٌ آخر حملها غيرةً وحباً للخير فلتكن منهم .
سترى تصرفات وسلوكيات غريبة .. وعجيبة .. لا تحبّها .. ولم ترها في حياتك من قبل .. تقبلها للحظة .. ولا تتصادم .. سترى أناسٌ سلبيون .. كأنما خُلقوا لبث السموم السلبية والشحنات اللاإيجابية فلا تستمع ولا ترخِ سمعك ولا تنصت بل إعمل بثبات فهمُ همُ وأنتَ أنتَ.
إليك أو إليكِ يا من يريد التغيير إلى الأفضل .. أهدي كلماتي تلك

Friday, July 18, 2008

شكراً أيها اللص ..


بحثت عن هاتفي ليلتها بلا جدوى .. لم أجده ،، قلّبت بصري في أروقة الملعب ،بحثت يميناً ويساراً بعدما انتهينا من لعب الكرة أحد ليالي الجمعة بحثت وبحثت ولكن أيضاً بلا جدوى ، " الجوال انسرق يامحمد " هكذا حدثت نفسي في النهاية حين أيقنت أن حقيبتي برمّتها قد اختفت واختفى معها الجوال ومفتاح بيتي وحذائي . حمدت الله .. والحقيقة أني كنت حانقاً ولكن ( ماباليد حيلة ) وصبر الإضطرار لا فضل له، عرف الجميع بإختفاء جوالي وسألوني عنه ماهو ومالونه .. واساني الجميع في فقيدي الجوال، عدت إلى غرفتي وأمضيت بقية ليلتي .. وكأن شيئا لم يكن . عدّت الأيام وانغمست في أمواج الدراسة .. أحفظ برنامجاً في الجافا وأنسى عشرة .. وبعد عدة أسابيع .. قبيل الإختبارات النصف فصلية الثانية .. كنت في ( الفوير ) أحضر لإختبار مادة مبادئ الكهرباء في اليوم التالي .. أحسست بيدٍ حطت على كتفي .. أدرت نظري " أهلا خالد " حييته وحياني .. مد لي جهازاً من نوع نوكيا وشاحن .. “ الشباب لما ضاع جوالك اتفقو انهم يشتروا جوال ثاني " .. “ بس ليش انا عندي جوال الحين .. وبشتري الثاني .. مايحتاج والله " خالد مد يده وفتح حقيبتي وأخفى الجوال بداخلها .. ثم مشى .. لحقته .. سألته بإندهاش " خالد فكرة مين هذي ؟ " جاوبني " هذي فكرة عمر وكل الشباب شاركو فيها " سألته " يعني الكل عارف ومخبين علي ؟؟ " قال " الكل عارف من ليلة ماضاع عليك الجوال ، اتفقنا نشتري واحد ثاني علشان كذا سألناك عن الموديل والنوع " حطت على وجهي علامات الدهشه وكعادتي لم ينطلق لساني شكرتهم من أعماق قلبي .. ثم ذهبوا ليكملوا مذاكرتهم ..
..
لم أتصور أبداً تعاطفاً بهذا الشكل من زملائي في الكلية، لم أتخيل أبداً ان يلتفت أحد لمجرد ( جوال ) سُرق .. هل هو أول جوال يُسرق ؟ طبعاً لا ولا آخر جوال .. إذن ماهذه العاطفة الجياشة التي غمرني زملائي بها .. هي لفتةُ حبٍ ومساندة منهم .. هي تعبيرُ بليغ لا يتقنه إلا أهل اليمن حين تأتيهم الفرصة مواتية .. وقد أهداها لهم ذلك اللص .. فسرق جوالي .. وقد يساوي بضع دراهم .. فعوضوني عنها زملائي بعاطفةٍ لا تقدر بثمن .. فشكراً أيها اللص.